ابراهيم ابوالسعود دردرة

مرحبا بك في موقعك
نتمني ان نفيدك ونفيد الجميع
مع تحيات
محاسب/ ابراهيم ابوالسعود
himasaoud@yahoo.com

القصاصين الجديدة - الاسماعيليه - مصر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{1} الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{4} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{5} اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ{7}
مرحبا بكم                 في موقعكم                ضيوفنا الكرام              مع تحيات                ابراهيم ابوالسعود
شكر خاص الي كل من ساهم في نشر الخير ومساعدة الغير وخاصة ( سلوتة - زهرة الاحلام ) علي مواضيعهم الرائعه والمتميزة وندعو الله خالصين لهم بالتوفيق وان يجزيهم الله خيرا وجعله في ميزان حسناتهم

    :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    شاطر
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 1:51 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي



    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً


    أما بعد


    فهذه أصول وقواعد في تفسير القرآن الكريم، جليلة المقدار، عظيمة النفع، تعين قارئها ومتأملها على فهم كلام الله، والاهتداء به، ومخبرها أجل من وصفها . فإنها تفتح للعبد من طرق التفسير، ومنهاج الفهم عن الله: ما يغني عن كثير من التفاسير الخالية من هذه البحوث النافعة .


    أرجو الله وأسأله أن يتم ما قصدنا إيراده، ويفتح لنا من خزائن جوده وكرمه ما يكون سبباً للوصول إلى العلم النافع، والهدى الكامل .


    واعلم أن علم التفسير أجل العلوم على الإطلاق، وأفضلها وأوجبها وأحبها إلى الله، لأن الله أمر بتدبر كتابه، والتفكر في معانيه، والاهتداء بآياته، وأثنى على القائمين بذلك، وجعلهم في أعلى المراتب، ووعدهم أسنى المواهب، فلو أنفق العبد جواهر عمره في هذا الفن، لم يكن ذلك كثيراً في جنب ما هو أفضل المطالب، وأعظم المقاصد، وأصل الأصول كلها، وقاعدة أساس السعادة في الدارين، وصلاح أمور الدين والدنيا والآخرة، وبه يتحقق للعبد حياة زاهرة بالهدى والخير والرحمة، ويهيء الله له أطيب الحياة والباقيات الصالحات .


    فلنشرع الآن بذكر القواعد والضوابط على وجه الإيجاز الذي يحصل به المقصود، لأنه إذا انفتح للعبد الباب، وتمهدت بفهم القاعدة الأسباب، وتدرب منها بعدة أمثلة توضحها وتبين طريقها ومنهجها، لم يحتج إلى زيادة البسط وكثرة التفاصيل، ونسأله تعالى أن يمدنا بعونه ولطفه وتوفيقه، وأن يجعلنا هادين مهتدين بمنه وكرمه وإحسانه .





    تابعونا جزاكم الله خيراً
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 1:52 pm

    [size=16]القاعدة الأولى
    في كيفية تلقي التفسير




    كل من سلك طريقاً وعمل عملاً، وأتاه من أبوابه وطرقه الموصلة إليه، فلا بد أن يفلح وينجح ويصل به إلى غايته، كما قال تعالى:
    { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}
    [البقرة: 189] .

    وكلما عظم المطلوب تأكد هذا الأمر، وتعين البحث التام عن أمثل وأقوم الطرق الموصلة إليه، ولا ريب أن ما نحن فيه هو أهم الأمور وأجلها، بل هو أساسها وأصلها .

    فاعلم أن هذا القرآن العظيم أنزله الله لهداية الخلق وإرشادهم، وأنه في كل وقت وزمان ومكان يرشد إلى أهدى الأمور وأقومها
    { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }
    [الإسراء: 9] .

    فعلى الناس أن يتلقوا معني كلام الله كما تلقاه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فإنهم كانوا إذا قرأوا عشر آيات، أو أقل أو أكثر، لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل، فينزلونها على الأحوال الواقعة يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار، وينقادون لأوامرها ونواهيها، ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم، ويحاسبون أنفسهم:

    هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها؟ وكيف الطريق إلى الثبات على الأمور النافعة، وتدارك ما نقص منها؟ وكيف التخلص من الأمور الضارة؟ فيهتدون بعلومه، ويتخلقون بأخلاقه وآدابه، ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم، ومطالبون بمعرفة معانيه، والعمل بما يقتضيه .

    فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه، وجَدّ واجتهد في تدبر كلام الله، انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير، وقويت معرفته واستنارت بصيرته، واستغنى بهذه الطريقة عن كثرة التكلفات، وعن البحوث الخارجية، وخصوصاً إذا كان قد أخذ من علوم العربية جانباً قوياً، وكان له إلمام واهتمام بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحواله مع أوليائه وأعدائه، فإن ذلك أكبر عون على هذا المطلب .

    ومتى علم العبد أن القرآن فيه تبيان كل شيء، وأنه كفيل بجميع المصالح مبين لها، حاث عليها، زاجر عن المضار كلها، وجعل هذه القاعدة نصب عينيه، ونزلها على كل واقع وحادثسابق أو لاحق، ظهر له عظم مواقعها وكثرة فوائدها وثمرتها .







    يتبع ..,,,
    [/size]
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 1:58 pm

    القاعدة الثانية


    العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب




    وهذه القاعدة نافعة جداً، بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير، ويقع الغلط والارتباك الخطير .

    وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم، فمتى راعيت القاعدة حق الرعاية وعرفت أن ما قاله المفسرون من أسبـاب النزول إنما هوعلى سبيل المثـاللتوضيـح الألفاظ، و ليست معاني الألفاظ و الآيات مقصورةً عليها .

    فقولهم: نزلت في كذا و كذا، معناه:

    أن هذا مما يدخل فيها، ومن جملة ما يراد بها، فإن القرآن ـ كما تقدم ـ إنما نزل لهداية أول الأمة وآخرها، حيث تكون وأنى تكون .

    والله تعالى قد أمرنا بالتفكر والتدبر لكتابه، فإذا تدبرنا الألفاظ العامة، وفهمنا أن معناها يتناول أشياء كثيرة، فلأي شيء نخرج بعض هذه المعاني، مع دخول ما هو مثلها ونظيرها فيها[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]؟

    ولهذا قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه " إذا سمعت الله يقول:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا }
    فأرعها سمعك، فإنه إما خير تُؤمر به، وإما شر تُنهى عنه " .

    فمتى مر بك خبر عن صفات الله وأسمائه، وعما يستحقه من الكمال، وما يتنزه عنه من النقص .

    فأثبت له جميع ذلك المعنى الكامل الذي أثبته سبحانه لنفسه ونزّهه عن كل ما نزه نفسه عنه، وكذلك إذا مر بك خبر عن رسله وكتبه واليوم الآخر، وعن جميع الأمور السابقة واللاحقة، فاجزم جزماً لا شك فيه أنه حق على حقيقته، بل هو أعلى أنواع الحق والصدق، قيلا و حديثا .

    وإذا أمر بشيء نظرت إلى معناه، وما يدخل فيه وما لا يدخل، وعلمت أن ذلك الأمر موجه إلى جميع الأمة، وكذلك في النهي .

    ولهذا كانت معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصلَكل الخير والفلاح، والجهل بذلك أصل كل الشر والخسران .

    فمراعاة هذه القاعدة أكبر عون على معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله و القيام بها .

    والقرآن قد جمع أجل المعاني وأنفعها وأصدقها بأوضح الألفاظ وأحسنها كما قال تعالى:
    { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً }
    [الفرقان:33]

    يوضح ذلك ويبينه وينهج طريقته



    يتبع...,,,

    .
    .
    .


    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]قال الشيخ ابن عثيمين " الأصل أن العام شامل لجميع أفراده، قال العلماء: وصورة السبب قطعية الدخول و ما عداها فدخولها ظني، العام يشمل صورا متعددة، فصورة السبب التي نزلت الأية من أجلها قطعية الدخول . مثال: المرأة التي اشتكت إلى الرسول عليه الصلاة و السلام زوجَها قطعية الدخول في آية الظهار في سورة المجادلة، و ظهار غيرهما ظني الدخول في الآية لاحتمال أن لا يراد بالعموم جميع أفراده لكن الحكم يشملها إما بالعموم اللفظي الصحيح و إما بالعموم المعنوي و هو القياس لعدم الفارق " انتهى بتصرف
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 1:58 pm

    القاعدة الثالثة

    [size=16]الألف واللام الداخلة على الأوصاف و أسماء الأجناس
    تفيد الاستغراق بحسب ما دخلت عليه
    [/size]




    وقد نص على ذلك أهل الأصول وأهل العربية، واتفق على اعتبار ذلك أهل العلم والإيمان . فمثلُ قوله تعالى:
    { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ـ إلى قوله تعالى ـ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }
    [الأحزاب: 35]

    يدخل في هذه الأوصاف كل ما تناوله اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والصدق إلى آخرها . وأن بكمال هذه الأوصاف يكمل لصاحبها ما رتب عليها من المغفرة والأجر العظيم، وبنقصانها ينقص، وبعدمها يفقد، وهكذا كل وصف رتب عليه خير وأجر وثواب، وكذلك ما يقابل ذلك كل وصف نَهى الله عنه ورتب عليه وعلى المتصف به عقوبة وشراً ونقصاً، يكون له من ذلك بحسب ما قام به من الوصف المذكور، وكذلك مثل قوله تعالى:
    { إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً }
    [المعارج من 19: 21]

    عام لجنس الإنسان .

    فكل إنسان هذا وصفه إلا من استثنى الله بقوله:
    { إِلَّا الْمُصَلِّين َ}
    [المعارج:22]

    إلى آخرها كما أن قوله:
    { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ }
    [العصر 1،2]

    دال على أن كل إنسان عاقبته ومآله إلى الخسار
    { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ }
    [العصر:3]

    وأمثال ذلك كثير .


    وأعظم ما تعتبر به هذه القاعدة:
    في الأسماء الحسنى، فإن في القرآن منها شيئاً كثيراً، وهي من أجل علوم القرآن بل هي المقصد الأول للقرآن .

    فمثلاً يخبر الله عن نفسه:
    أنه الرب الحي القيوم، وأنه الملك والعليم والحكيم، والعزيز والرحيم، والقدوس السلام، والحميد المجيد. فالله هو الذي له جميع معاني الربوبية التي يستحق أن يؤله لأجلها وهي صفات الكمال كلها، والمحامد كلها له، والفضل كله، والإحسان كله، وأنه لا يُشارِك اللهَ أحد في معنى من معاني الربوبية
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }
    [الشورى: 11]

    لا بشر ولا مَلَك، بل هم جميعاً عبيد مربوبون لربهم بكل أنواع الربوبية، مقهورون خاضعون لجلاله وعظمته، فلا ينبغي أن يكون أحد منهم نداً، ولا شريكا لله في عبادته وإلهيته، فبربوبيته سبحانه يربي الجميع من ملائكة وأنبياء وغيرهم:

    خلقاً ورزقاً وتدبيراً وإحياء وإماتة، وهم يشكرونه على ذلك بإخلاص العبادة كلها له وحده، فيؤلهونه ولا يتخذون من دونه ولياً ولا شفيعاً، فالإلهية حق له سبحانه على عبادته بصفة ربوبيته، وأنه الملك الذي له جميع معاني الملك، وهو الملك الكامل والتصرف النافذ، وأن الخلق كلهم مماليك لله، عبيد تحت أحكام ملكه القدرية والشرعية والجزائية[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    وأنه العليم بكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي أحاط علمه بالبواطن والظواهر والخفيات والجليات والواجبات والمستحيلات، والجائزات .
    والأمور السابقة واللاحقة والعالم العلوي والسفلي والكليات والجزئيات .

    وما يعلم الخلق وما لا يعلمون
    { و لا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }
    [البقرة: 255]

    وأنه الحكيم الذي له الحكمة التامة الشاملة لجميع ما قضاه وقدره وخلقه، وجميع ما شرعه لا يخرج عن حكمته، لا مخلوق ولا مشروع، وأنه العزيز الذي له جميع معاني العزة على وجه الكمال التام من كل وجه، عزة القوة وعزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة

    وأن جميع الخلق في غاية الذل ونهايةالفقر، ومنتهى الحاجة والضرورة إلى ربهم، وأنه الرحمن الرحيم الذي له جميع معاني الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، ولم يخل مخلوق من إحسانه وبره طرفة عين . تبلغ رحمته حيث يبلغ علمه
    { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً }
    [غافر: 7]

    وأنه القدوس السلام، المعظم المنزه عن كل عيب وآفة ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أن يكون له ند من خلقه .

    وهكذا بقية الأسماء الحسنى، اعتبرْها بهذه القاعدة الجليلة ينفتح لك باب عظيم من أبواب معرفة الله، بل أصل معرفة الله تعالى معرفة ما تحتوي عليه أسماؤه الحسنى، وتقتضيه من المعاني العظيمة، بحسب ما يقدر عليه العبد، وإلا فلن يبلغ علم أحد من الخلق بذلك، ولن يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده .

    ومن ذلك قوله تعالى:
    { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }
    [المائدة: 2]

    يشمل جميع أنواع البر والخير، وتشمل التقوى جميع ما يجب اتقاؤه من أنواع المَخُوفات و المعاصي والمحرمات .

    والإثم:
    اسم جامع لكل ما يؤثم، ويوقع في المعصية .

    كما أن العدوان:
    اسم جامع يدخل فيه جميع أنواع التعدي على الناس في الدماء والأموال والأعراض، والتعدي على مجموع الأمة، وعلى الحكومات والتعدي على حدود الله .

    و" المعروف " في القرآن:
    اسم جامع لكل ما عرف حسنه شرعاً وعقلاً، وعكسه: المنكر والسوء والفاحشة .
    وقد نبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته إلى هذه القاعدة، وأرشدهم إلى اعتبارها إذ علمهم أن يقولوا في التشهد في الصلاة:

    (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين )
    فقال:
    (فإنكم إذا قلتم ذلك سلمتم على كل عبد صالح من أهل السماء والأرض)
    [ رواه البخاري ]

    وأمثلتها في القرآن كثيرة جداً .




    [2] قال الشيخ ابن عثيمين: " الأحكام شرعية و كونية و قدرية لأن الجزائية داخلة في القدرية، لأنها مما يقدره الله مما قدره على هذا العمل، لكن هذا من باب البسط " انتهى بتصرف
    .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:00 pm

    القاعدة الرابعة
    إذا وقعت النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط
    أو الاستفهام دلت على العموم



    كقوله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } [النساء: 36]
    فإنه نهى عن الشرك به في النيات، والأقوال والأفعال، وعن الشرك الأكبر، والأصغر والخفي، والجلي . فلا يجعل العبد لله نداً ومشاركاً في شيء من ذلك .

    ونظيرها قوله:
    { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً }
    [البقرة: 22] .

    وقوله في وصف يوم القيامة:
    { يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً }
    [الانفطار: 19]،

    يعم كل نفس، وأنها لا تملك شيئاً من الأشياء، لأي نفس أخرى، مهما كانت الصلة، لا إيصال شيء من المنافع، ولا دفع شيء من المضار .

    وكقوله تعالى:
    { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ }
    [يونس: 107]

    فكل ضر قدره الله على العبد ليس في استطاعة أحد من الخلق كائنا من كان كشفه بوجه من الوجوه .

    ونهاية ما يقدر عليه المخلوق من الأسباب والأدوية: إنما هو جزء من أجزاء كثيرة داخلة في قضاء الله وقدره .

    وقوله:{ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ }[فاطر: 2]

    وقوله { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [النحل: 53]

    يشمل كل خير في العبد ويصيب العبد، وكل نعمة فيها حصول محبوب، أو دفع مكروه، فإن الله هو المنفرد بذلك وحده .

    وقوله { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُو } [فاطر: 3]

    وإذا دخلت [ من ] صارت نصاً في العموم كهذه الآية:
    { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ }
    [الحاقة:47]

    وقوله
    { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }
    [الأعراف: 59]

    ولها أمثلة كثيرة جداً
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:01 pm

    القاعدة الخامسة
    المقرر: أن المفرد المضاف يفيد العموم كما يفيد ذلك اسم الجمع



    فكما أن قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } [النساء: 23] إلى آخرها

    يشمل كل أم انتسبت إليها، وإن علت . وكل بنت انتسبت إليك وإن نزلت ـ إلى آخر المذكورات ـ


    فكذلك قوله تعالى:
    { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }
    [الضحى:11]

    فإنها تشمل النعم الدينية والدنيوية


    وقوله: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام:162]

    فإنها تعم الصلوات كلها، والأنساك كلها، وجميع ما العبد فيه وعليه في حياته ومماته، الجميع من الله فضلاً وإحساناً، وأنك قد أتيت ما أتيت منه وأوقعته وأخلصته لله وحده، لا شريك له .


    وقوله: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة: 125]


    على أحد القولين:
    إنه يشمل جميع مقاماته في مشاعر الحج: اتخذوه معبداً .

    وأصْرَح من هذا قوله تعالى:
    { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً }
    [النحل: 123]

    وهذا شامل لكل ما هو عليه من التوحيد والإخلاص لله تعالى، والقيام بحق العبودية .

    وأعم من ذلك وأشمل: قوله تعالى لما ذكر الأنبياء:
    { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ }
    [الأنعام: 90]

    فأمره الله أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدى المستقيم .


    وهذه الآية أحد الأدلة على الأصل المعروف:
    [ أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ]

    وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه، وكذلك قوله تعالى:
    { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ }
    [الأنعام: 153]

    وهذا يعم جميع ما شرعه لعباده، فعلاً وتركاً، اعتقاداً وانقياداً، وأضافه إلى نفسه في هذه الآية لكونه هو الذي نصبه لعباده، كما أضافه إلى الذين أنعم عليهم في قوله
    { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }
    [الفاتحة: 7]

    لكونهم هم السالكين له .


    فصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ما اتصفوا به من العلوم والأخلاق والأوصاف والأعمال وكذلك قوله
    { وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }
    [الكهف: 110]

    يدخل في ذلك جميع العبادات الظاهرة والباطنة، العبادات الاعتقادية والعملية


    كما أن وصف الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعبودية المضافة إلى الله كقوله:
    { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ }
    [الاسراء: 1]

    وكقوله
    { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا }
    [البقرة:23]

    وقوله
    { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ }
    [الفرقان: 1]

    تدل على أنه وفَّي جميع مقامات العبودية، حيث نال أشرف المقامات بتوفيته لجميع مقامات العبودية،

    وقوله:
    { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ }
    [الزمر: 36]

    فكلما كان العبد أقوم بحقوق العبودية كانت كفاية الله له أكمل وأتم، وما نقص منها نقص من الكفاية بحسبه .

    وقوله:
    { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ }
    [القمر:50]

    وقوله:
    { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    [النحل:40]

    يشمل جميع أوامره القدرية الكونية .


    وهذا في القرآن شيء كثير .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:02 pm

    القاعدة السادسة
    في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده



    القرآن كله لتقرير التوحيد ونفي ضده، وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الألوهية، وإخلاص العبادة لله وحده، لا شريك له، ويخبر أن جميع الرسل إنما أرسلت تدعوا قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأن الكتب والرسل بل الفطر والعقول السليمة كلها اتفقت على هذا الأصل، الذي هو أصل الأصول كلها


    وأن من لم يَدِنْ بهذا الدين الذي هو إخلاص العبادة والقلب والعمل لله وحده فعمله باطل
    { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }
    [الزمر: 65]

    { وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
    [الأنعام: 88]



    ويدعوا العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم من أن الله المنفرد بالخلق والتدبير والمنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة: هو الذي يستحق العبادة وحده، ولا ينبغي أن يكون شيء منها لغيره، وأن سائر الخلق ليس عندهم أي قدرة على خلق، ولا نفع، ولا دفع ضر، عن أنفسهم فضلا عن أن يغنوا عن أحد غيرهم من الله شيئا .


    ويدعوهم أيضاً إلى هذا الأصل بما يَتَمَدَّح به، ويُثني على نفسه الكريمة، من تفرده بصفات العظمة والمجد، والجلال والكمال، وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه مشارك:
    أحق من أُخلصت له الأعمال الظاهرة والباطنة .


    ويقرر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده، فلا يحكم غيره شرعاً ولا جزاء
    { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ }
    [يوسف: 40] .


    وتارة يقرر هذا بذكر محاسن التوحيد، وأنه الدين الوحيد الواجب شرعاً وعقلاً وفطرة، على جميع العبيد، وبذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحابه بعد اختلال أديانهم، وتقليب أفئدتهم، وكونهم أضل من الأنعام سبيلا .


    وتارة يدعو إليه بذكر ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة، وكيف كانت عواقب المشركين أسوأ العواقب وشرها .


    وبالجملة:
    فكل خير عاجل وآجل، فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل وآجل، فإنه من ثمرات الشرك والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:03 pm

    القاعدة السابعة
    في طريقة القرآن في تقرير نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم



    هذا الأصل الكبير:
    قرره الله في كتابه بالطرق المتنوعة التي يعرف بها كمال صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبر أنه صدق المرسلين، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء في نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما نُزِّهوا عنه من النقائص والعيوب، فرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أولاهم وأحقهم بهذا التنزيه، وأن شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، وكتابه مهيمن على كل الكتب . فجميع محاسن الأديان والكتب قد جمعها الله في هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف لم توجد في غيره، وقرر نبوته بأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولا جالس أحداً من أهل العلم بالكتب السـابقة


    بل لم يَفْجَـأ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أَتوا ولا قَدِروا، ولا هو في استطاعتهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وأنه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه، أو أن يكون قد تقوَّله على ربه، أو أن يكون على الغيب ظنيناً .


    وأعاد القرآن وأبدى في هذا النوع، وقرر ذلك بأنه يخبر بقصص الأنبياء السابقين مطولة على جميع الواقع، الذي لا يستريب فيه أحد، ثم يخبر تعالى: أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي، كمثل قوله تعالى لما ذكر قصة موسى مطولة
    { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ }
    [القصص: 44]

    ولما ذكر قصة يوسف وإخوته مطولة قال:
    { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ }
    [يوسف:102]


    فهذه الأمور والإخبارات المفصلة التي يفصلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما أوحي إليه تفصيلاً، صحح به أكثر الأخبار والحوادث التي كانت في كتب أهل الكتاب محرفة ومشوهة بما أضافوا إليها من خرافات وأساطير، حتى ما يتعلق منها بعيسى وأمه وولادتهما ونشأتهما، وبموسى وولادته ونشأته


    كل ذلك وغيره لم يكن يعرفه أهل الكتاب على حقيقته حتى جاء القرآن، فقص ذلك على ما وقع وحصل، مما أدهش أهل الكتاب وغيرهم، وأخرس ألسنتهم حتى لم يقدر أحد منهم ممن كان في وقته، ولا ممن كانوا بعد ذلك، أن يكذبوا بشيء منها، فكان ذلك من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقاً .


    وتارة يقرر نبوته بكمال حكمة الله، وتمام قدرته، وأن تأييده لرسوله ونصره على أعدائه، وتمكينه في الأرض هو مقتضى حكمةِ ورحمةِ العزيز الحكيم، وأن من قدح في رسالته فقد قدح في حكمة الله وفي قدرته . وفي رحمته، بل وفي ربوبيته .


    وكذلك نصره وتأييده الباهر لهذا النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الذين هم أقوى أهل الأرض من آيات رسالته، وأدلة توحيده، كما هو ظاهر للمتأملين .


    وتارة يقرر نبوته ورسالته بما جمع له وكمله به من أوصاف الكمال، وما هو عليه من الأخلاق الجميلة، وأن كل خلق عال سام فلرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه أعلاه وأكمله .


    فمن عظمت صفاته، وفاقت نعوته جميع الخلق التي أعلاها: الصدق والأمانة، أليس هذا أكبرَ الأدلة على أنه رسول رب العالمين، والمصطفى المختار من الخلق أجمعين ؟


    وتارة يقررها بما هو موجود في كتب الأولين، وبشارات الأنبياء والمرسلين السابقين، إما باسمه العلم أو بأوصافه الجليلة، وأوصـاف أمته وأوصـاف دينـه، كما في قوله تعالـى
    { وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ }
    الصف: 6] .


    وتارة يقرر رسالته بما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب المستقبلة، التي وقعت في زمان مضى على زمانه، أو وقعت في زمانه والتي لا تزال تقع في كل وقت، فلولا الوحي ما وصل إليه شيء من هذا، ولا كان له ولا لغيره طريق إلى العلم به .


    وتارة يقررها بحفظه إياه، وعصمته له من الخلق، مع تكالب الأعداء وضغطهم عليه، وجِدِّهم التام في الإيقاع به بكل ما في وسعهم، والله يعصمه ويمنعه منهم وينصره عليهم، وما ذاك إلا لأنه رسوله حقا، وأمينه على وحيه والمبلغ ما أمر به .


    وتارة يقرر رسالته بذكر عظمة ما جاء به وهو القرآن الذي
    { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }
    [فصلت:42]

    ويتحدى أعداءه، ومن كفر به أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة واحدة، فعجزوا ونكصوا وباءوا بالخيبة والفشل، وهم أهل اللسان المُبـَرِّزون في ميدان القـول والفصـاحة، ومع ذلك ما استطـاعـوا ـ مع شدة حرصـهم


    ومحاولتِهم ـ أن يأتوا بسورة منه وما استطـاعـوا ولا قدروا ـ مع شدة حرصـهم ومحاولتِهم ـ أن يجدوا فيه نقصاً أو عيباً ينزل به عن أعلى درجات الفصاحة التي ملكت أزمة قلوبهم، فلجأوا إلى السيف وإراقة دمائهم، وما كانوا يعمدون إلى هذا لولا أنهم لم يجدوا سبيلاً إلى محاربته بالقول، وما كانوا يزعمونه عندهم علوماً وحكماً، فكان عدولهم إلى السيف وإراقة الدماء أكبر الأدلة على صدق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وأقطع البراهين على أنه الحق والهدى من عند الله الذي جمع الله فيه لرسوله وللمؤمنين به كل ما يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة في كل شئونهم . وأن هذا القرآن لأكبرُ أدلة رسالته وأجلُّها وأعمُّها .


    والله تعالى يقرر أن القرآن كاف جداً أن يكون هو الدليل الوحيد على صدق رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواضع عدة، منها قوله:
    { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
    [العنكبوت:51] .


    وتارة يقرر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارق والكرامات، الدالِّ كل واحد منها بمفرده ـ فكيف إذا اجتمعت ـ على أنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .


    وتارة يقررها بعظيم شفقته على الخلق، وحُنوِّه الكامل على أمته، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه لم يوجد ولن يوجد أحد من الخلق أعظم شفقة ولا براً وإحساناً إلى الخلق منه، وآثار ذلك ظاهرة للناظرين .



    فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه وقررها بعبارات متنوعة، ومعاني مفصلة وأساليب عجيبة، وأمثلتها تفوق العد والإحصاء


    . والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:03 pm

    القاعدة السابعة
    في طريقة القرآن في تقرير نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم



    هذا الأصل الكبير:
    قرره الله في كتابه بالطرق المتنوعة التي يعرف بها كمال صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبر أنه صدق المرسلين، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء في نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما نُزِّهوا عنه من النقائص والعيوب، فرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أولاهم وأحقهم بهذا التنزيه، وأن شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، وكتابه مهيمن على كل الكتب . فجميع محاسن الأديان والكتب قد جمعها الله في هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف لم توجد في غيره، وقرر نبوته بأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولا جالس أحداً من أهل العلم بالكتب السـابقة


    بل لم يَفْجَـأ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أَتوا ولا قَدِروا، ولا هو في استطاعتهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وأنه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه، أو أن يكون قد تقوَّله على ربه، أو أن يكون على الغيب ظنيناً .


    وأعاد القرآن وأبدى في هذا النوع، وقرر ذلك بأنه يخبر بقصص الأنبياء السابقين مطولة على جميع الواقع، الذي لا يستريب فيه أحد، ثم يخبر تعالى: أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي، كمثل قوله تعالى لما ذكر قصة موسى مطولة
    { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ }
    [القصص: 44]

    ولما ذكر قصة يوسف وإخوته مطولة قال:
    { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ }
    [يوسف:102]


    فهذه الأمور والإخبارات المفصلة التي يفصلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما أوحي إليه تفصيلاً، صحح به أكثر الأخبار والحوادث التي كانت في كتب أهل الكتاب محرفة ومشوهة بما أضافوا إليها من خرافات وأساطير، حتى ما يتعلق منها بعيسى وأمه وولادتهما ونشأتهما، وبموسى وولادته ونشأته


    كل ذلك وغيره لم يكن يعرفه أهل الكتاب على حقيقته حتى جاء القرآن، فقص ذلك على ما وقع وحصل، مما أدهش أهل الكتاب وغيرهم، وأخرس ألسنتهم حتى لم يقدر أحد منهم ممن كان في وقته، ولا ممن كانوا بعد ذلك، أن يكذبوا بشيء منها، فكان ذلك من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقاً .


    وتارة يقرر نبوته بكمال حكمة الله، وتمام قدرته، وأن تأييده لرسوله ونصره على أعدائه، وتمكينه في الأرض هو مقتضى حكمةِ ورحمةِ العزيز الحكيم، وأن من قدح في رسالته فقد قدح في حكمة الله وفي قدرته . وفي رحمته، بل وفي ربوبيته .


    وكذلك نصره وتأييده الباهر لهذا النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الذين هم أقوى أهل الأرض من آيات رسالته، وأدلة توحيده، كما هو ظاهر للمتأملين .


    وتارة يقرر نبوته ورسالته بما جمع له وكمله به من أوصاف الكمال، وما هو عليه من الأخلاق الجميلة، وأن كل خلق عال سام فلرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه أعلاه وأكمله .


    فمن عظمت صفاته، وفاقت نعوته جميع الخلق التي أعلاها: الصدق والأمانة، أليس هذا أكبرَ الأدلة على أنه رسول رب العالمين، والمصطفى المختار من الخلق أجمعين ؟


    وتارة يقررها بما هو موجود في كتب الأولين، وبشارات الأنبياء والمرسلين السابقين، إما باسمه العلم أو بأوصافه الجليلة، وأوصـاف أمته وأوصـاف دينـه، كما في قوله تعالـى
    { وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ }
    الصف: 6] .


    وتارة يقرر رسالته بما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب المستقبلة، التي وقعت في زمان مضى على زمانه، أو وقعت في زمانه والتي لا تزال تقع في كل وقت، فلولا الوحي ما وصل إليه شيء من هذا، ولا كان له ولا لغيره طريق إلى العلم به .


    وتارة يقررها بحفظه إياه، وعصمته له من الخلق، مع تكالب الأعداء وضغطهم عليه، وجِدِّهم التام في الإيقاع به بكل ما في وسعهم، والله يعصمه ويمنعه منهم وينصره عليهم، وما ذاك إلا لأنه رسوله حقا، وأمينه على وحيه والمبلغ ما أمر به .


    وتارة يقرر رسالته بذكر عظمة ما جاء به وهو القرآن الذي
    { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }
    [فصلت:42]

    ويتحدى أعداءه، ومن كفر به أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة واحدة، فعجزوا ونكصوا وباءوا بالخيبة والفشل، وهم أهل اللسان المُبـَرِّزون في ميدان القـول والفصـاحة، ومع ذلك ما استطـاعـوا ـ مع شدة حرصـهم


    ومحاولتِهم ـ أن يأتوا بسورة منه وما استطـاعـوا ولا قدروا ـ مع شدة حرصـهم ومحاولتِهم ـ أن يجدوا فيه نقصاً أو عيباً ينزل به عن أعلى درجات الفصاحة التي ملكت أزمة قلوبهم، فلجأوا إلى السيف وإراقة دمائهم، وما كانوا يعمدون إلى هذا لولا أنهم لم يجدوا سبيلاً إلى محاربته بالقول، وما كانوا يزعمونه عندهم علوماً وحكماً، فكان عدولهم إلى السيف وإراقة الدماء أكبر الأدلة على صدق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وأقطع البراهين على أنه الحق والهدى من عند الله الذي جمع الله فيه لرسوله وللمؤمنين به كل ما يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة في كل شئونهم . وأن هذا القرآن لأكبرُ أدلة رسالته وأجلُّها وأعمُّها .


    والله تعالى يقرر أن القرآن كاف جداً أن يكون هو الدليل الوحيد على صدق رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواضع عدة، منها قوله:
    { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
    [العنكبوت:51] .


    وتارة يقرر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارق والكرامات، الدالِّ كل واحد منها بمفرده ـ فكيف إذا اجتمعت ـ على أنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .


    وتارة يقررها بعظيم شفقته على الخلق، وحُنوِّه الكامل على أمته، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه لم يوجد ولن يوجد أحد من الخلق أعظم شفقة ولا براً وإحساناً إلى الخلق منه، وآثار ذلك ظاهرة للناظرين .



    فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه وقررها بعبارات متنوعة، ومعاني مفصلة وأساليب عجيبة، وأمثلتها تفوق العد والإحصاء


    . والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:04 pm

    القاعدة الثامنة
    طريقة القرآن في تقرير المعاد



    وهذا الأصل الثالث من الأصول التي اتفقت عليها الرسل والشرائع كلها وهي: التوحيد، والرسالة، وأمر المعاد وحشر العباد .


    وهذا قد أكثر الله من ذكره في كتابه الكريم، وقرره بطرق متنوعة:


    منها: إخباره وهو أصدق القائلين عنه وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى، مع إكثار الله من ذكره، فقد أقسم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه، كقوله:
    { لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ }
    [القيامة:1] .


    ومنها الإخبار بكمال قدرة الله تعالى، ونفوذ مشيئته، وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته .


    ومنها تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأن الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً، لابد أن يعيدهم كما بدأهم، وأن الإعادة أهون عليه، وأعاد هذا المعنى في مواضع كثيرة بأساليب متنوعة .


    ومنها: إحياؤه الأرضَ الهامدة الميتة بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحي الموتى، وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك، وهو خلق السماوات والأرض، والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المنكرون ذلك، ولن يقدروا على إنكاره، فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى؟ وقرر ذلك بسعة علمه، وكمال حكمته، وأنه لا يليق به، ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين، لا يُؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون .

    وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد .


    ومما قرر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بإسائتهم: ما أخبر به من أيامه و سننه سبحانه في الأمم الماضية والقرون الغابرة . وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث، ونوَّعَ عليهم العقوبات، وأحل بهم المَثُلات، فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة .


    ومن ذلك: ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا كما ذكره الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى بن مريم للأموات وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار، ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار، وأن العباد لابد أن يَرِدوا دار القرار، إما الجنة أو النار .


    وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة

    . والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:05 pm

    القاعدة التاسعة
    في طريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية



    قد أمر الله تعالى بالدعاء إلى سبيله بالتي هي أحسن، أي بأقرب طريق موصل للمقصود، محصل للمطلوب، ولا شك أن الطرق التي سلكها الله في خطاب عباده المؤمنين بالأحكام الشرعية هي أحسنها وأقربها .


    فأكثر ما يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الشر بالوصف الذي من عليهم به وهو الإيمان، فيقول: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا واتركوا كذا لأن في ذلك دعوة لهم من وجهين:


    أحدهما
    من جهة الحث على القيام بلوازم الإيمان، وشروطه ومكملاته، فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا قوموا بما يقتضيه إيمانكم من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والتخلق بكل خلق حميد والتجنب لكل خلق رذيل .

    فإن الإيمان الحقيقي هكذا يقتضي، ولهذا أجمع السلف أن الإيمان يزيد وينقص، وأن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان ولوازمه، كما دلت على هذا الأصل الأدلة الكثيرة، من الكتاب والسنة ـ وهذا أحدها ـ حيث يصدر الله أمر المؤمنين بقوله:

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا }
    أو يعلق فعل ذلك على الإيمان وأنه لا يتم الإيمان إلا بذلك المذكور .


    والوجه الثاني
    أن يدعوهم بقوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } افعلوا كذا، أو
    اتركوا كذا، أو يعلق ذلك بالإيمان، يدعوهم بمنته عليهم بهذه المنة، التي هي أجل المنن، أي: يا من مَنَّ الله عليهم بالإيمان، قوموا بشكر هذه النعمة، بفعل كذا وترك كذا .


    فالوجه الأول:
    دعوة لهم أن يتمموا إيمانهم، ويكملوه بالشرائع الظاهرة والباطن .


    والوجه الثاني:
    دعوة لهم إلى شكر نعمة الإيمان، ببيان تفصيل هذا الشكر، وهو الانقياد التام لأمره ونهيه، وتارة يدعوا المؤمنين إلى الخير، وينهاهم عن الشر، بذكر آثار الخير، وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر، وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة .


    وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر نعمه المتنوعة، وآلائه الجزيلة، وإن النعم تقتضي فهم القيام بشكرها، وشكرها هو القيام بحقوق الإيمان .


    وتارة يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب، ويذكر ما أعد الله للمؤمنين الطائعين من الثواب وما للعصاة من العقاب .


    وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر ما له من الأسماء الحسنى، وما له من الحق العظيم على عباده، وأن حقه عليهم أن يقوموا بعبوديته ظاهراً وباطناً، ويتعبدوا له وحده، ويدعوه بأسمائه الحسنى وصفاته المقدسة .


    فالعبادات كلها شكر لله وتعظيم وتكبير، وإجلال وإكرام، وتودد إليه، وتقرب منه .


    وتارة يدعوهم إلى ذلك، لأجل أن يتخذوه وحده ولياً وملجأ، وملاذا ومَعاذا، ومفزعا إليه في الأمور كلها، وينيبوا إليه في كل حال، ويخبرهم أن هذا هو أصل سعادة العبد وصلاحه وفلاحه، وأنه إن لم يدخل في ولاية الله وتوليه الخاص تولاه عدوه الذي يريد له الشر والشقاء، ويمنيه ويغره، حتى يفوِّته المنافع والمصالح ويوقعه في المهالك .


    وهذا كله مبسوط في القرآن بعبارات متنوعة .


    وتارة يحثهم على ذلك ويحذرهم من التشبه بأهل الغفلة والإعراض، والأديان المُبَدَّلة، لئلا يلحقهم من اللوم ما لحق أولئك الأقوام . كقوله
    { وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
    [الزمر: 65]

    { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين }
    [البقرة: ة35]

    { وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ }
    [لأعراف: 205]

    { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }
    [الحديد:16]


    إلى غير ذلك من الآيات .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:05 pm

    القاعدة العاشرة
    في طرق القرآن إلى دعوة الكفار على اختلاف مللهم




    يدعوهم إلى الإسلام، والإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يصفه من محاسن شرعه ودينه، وما يذكره من براهين رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليهتدي منْ قصد الحق والإنصاف، وتقوم الحجة على المعاند .
    وهذه أعظم طريق يدعى بها جميع المخالفين لدين الإسلام .


    فإن محاسن دين الإسلام ومحاسن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآياته وبراهينه فيها كفاية تامة للدعوة، بقطع النظر عن إبطال شبههم، وما يحتجون به، فإن الحق إذا اتضح علم أن كل ما خالفه فهو باطل وضلال .


    ويدعوهم بما يخوفهم من أحداث الأمم وعقوبات الدنيا والآخرة، وبما في الأديان الباطلة من أنواع الشرور، والعواقب الخبيثة، وأنها إنما تقوم على الغفلة والتكذيب لآيات الله الكونية والعلمية بالوقوع تحت سلطان الجهل والتقليد الأعمى للآباء والشيوخ والسادة، ويحذرهم من طاعة هؤلاء الرؤساء، فإنهم رؤساء الشر، ودعاة النار، وأنهم لابد أن تتقطع نفوسهم على ما عملوه وقدموه حسرات، وأنهم يتمنون أن لو أطاعوا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يطيعوا السادة والرؤساء، وأن مودتهم وصداقتهم وموالاتهم ستتبدل بغضا وعداوة .


    ويدعوهم أيضاً بنحو ما يدعوا المؤمنين بذكر آلائه ونعمه، وأن المنفرد بالخلق والتدبير والنعم الظاهرة والباطنة هو الذي يجب على العباد طاعته، وامتثال أمره واجتناب نهيه .


    ويدعوهم أيضاً بشرح ما في أديانهم الباطلة، وما احتوت عليه من القبح، ويقارن بينها وبين دين الإسلام، ليتبين ويتضح ما يجب إيثاره، وما يتعين اختياره، ويدعوهم بالتي هي أحسن . فإذا وصلت بهم الحال إلى العناد والمكابرة الظاهرة توعدهم بالعقوبات الصوارم، وبين للناس طريقتهم التي كانوا عليها، وأنهم لم يخالفوا الدين جهلاً وضلالاً أو لقيام شبهة أوجبت لهم التوقف، وإنما ذلك جحود ومكابرة وعناد .


    ويبين مع ذلك الأسباب التي منعتهم من متابعة الهدى، وأنها رياسات وأغراض نفسية، وأنهم لما آثروا الباطل على الحق طبع على قلوبهم وختم عليها، وسد عليهم طريق الهدى عقوبة لهم على إعراضهم وتوليهم الشيطان، وإعراضهم عن الرحمن، وأنه ولاهم ما تولوا لأنفسهم .


    وهذه المعاني الجزيلة مبسوطة في القرآن في مواضع كثيرة، فتأمل وتدبر القرآن تجدها واضحة جلية، والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:06 pm

    القاعدة الحادية عشرة
    مراعاة دلالة التضمن والمطابقة والالتزام



    كما أن المفسر للقرآن يراعي ما دلت عليه ألفاظه مطابقة، وما دخل في ضمنها، فعليه أن يراعي لوازم تلك المعاني، وما تستدعيه من المعاني التي لم يعرج في اللفظ على ذكرها .


    وهذه القاعدة: من أجل قواعد التفسير وأنفعها، وتستدعي قوة فكر، وحسن تدبر، وصحة قصد . فإن الذي أنزله للهدى والرحمة هو العالم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تكن الصدور، وبما تضمنه القرآن من المعاني، وما يتبعها وما يتقدمها، وتتوقف هي عليه .


    ولهذا أجمع العلماء على الاستدلال باللوازم في كلام الله لهذا السبب .


    والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهماً جيداً، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها . وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة .


    فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد .


    فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقاً ونوراً، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية .


    ولنمثل لهذا الأصل أمثلة توضحه:


    منها: في أسماء الله الحسنى n]الرحمن الرحيم ] فإنها تدل بلفظها على وصفه بالرحمة، وسعة رحمته .

    فإذا فهمت أن الرحمة التي لا يشبهها رحمة: هي وصفه الثابت، وأنه أوصل رحمته إلى كل مخلوق، ولم يخل أحد من رحمته طرفة عين: عرفت أن هذا الوصف يدل على كمال حياته، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته، لتوقف الرحمة على ذلك كله، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نور ورحمة .
    ولهذا يعلل الله تعالى كثيراً من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه لأنها من مقتضاها وأثرها .


    ومنها قوله تعالى:
    { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }
    [النساء: 58]

    فإذا فهمت أن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها: استدللت بذلك على وجوب حفظ الأمانات، وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها، وأنه لا يتم الأداء لأهلها إلا بذلك .


    وإذا فهمت أن الله أمر بالحكم بين الناس بالعدل، استدللت بذلك على أن كل حاكم بين الناس في الأمور الكبار والصغار، لابد أن يكون عالماً بما يحكم به: فإن كان حاكماً عاماً، فلابد أن يحصل من العلم ما يؤهله إلى ذلك، وإن كان حاكماً ببعض الأمور الجزئية كالشقاق بين الزوجين، حيث أمر الله أن نبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فلا بد أن يكون عارفاً بهذا الأمور التي يريد أن يحكم فيها، ويعرف الطريق التي توصله إلى الصواب منها .


    وبهذا بعينه نستدل على وجوب طلب العلم، وأنه فرض عين في كل أمر يحتاجه العبد، فإن الله أمرنا بأوامر كثيرة ونهانا عن أمور كثيرة .


    ومن المعلوم أن امتثال أمره واجتناب نهيه يتوقف على معرفة المأمور به والمنهي عنه وعلمه، فكيف يتصور أن يمتثل الجاهل الأمرَ الذي لا يعرفه، أو يتجنب النهي الذي لا يعرفه؟


    وكذلك أمره لعباده أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، يتوقف ذلك على العلم بالمعروف والمنكر، ليأمروا بهذا وينهَوْا عن هذا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يحصل ترك المنهي عنه إلا به فهو واجب .


    فالعلم بالإيمان والعمل الصالح متقدم على القيام به، والعلم بضد ذلك متقدم على تركه؛ لاستحالة ترك ما لا يعرفه العبد قصداً وتقرباً وتعبداً حتى يعرفه ويميزه عن غيره .


    ومن ذلك الأمر بالجهاد، والحث عليه، من لازم ذلك الأمر بكل ما لا يتم الجهاد إلا به، من تعلم الرمي بكل ما يرمى به، والركوب لكل ما يُركب، وعمل آلاته وصناعاته، مع أن ذلك كله داخل دخولَ مطابقة في قوله تعالى:
    { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ }
    [لأنفال: 60]

    فإنها تتناول كل قوة عقلية وبدنية، وسياسية وصناعية ومالية و نحوها .


    ومن ذلك أن الله استشهد بأهل العلم على توحيده، وقرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته . وهذا يدل على عدالتهم وأنهم حجة من الله تعالى على من كذب بمنزلة آياته وأدلته .


    و من ذلك سؤال عباد الرحمن ربهم أن يجعلهم للمتقين إماما، يقتضي سؤالهم اللهَ جميع ما تتم به الإمامة في الدين، من علوم و معارف جليلة وأعمال صالحة وأخلاق فاضلة؛ لأن سؤال العبد لربه شيئا سؤال له ولما لا يتم إلا به، كما إذا سأل العبد اللهَ الجنة، واستعاذ به من النار، فإنه يقتضي سؤاله كل ما يقرب إلى هذه و يبعِّد من هذه .


    ومن ذلك: أن الله أمر بالصلاح والإصلاح، وأثنى على المصلحين، وأخبر أنه لا يُصلح عمل المفسدين، فيُسْتدل بذلك على أن كل أمر فيه صلاح للعباد في أمر دينهم ودنياهم، وكل أمر يعين على ذلك فإنه داخل في أمر الله وترغيبه، وأن كل فساد وضرر وشر، فإنه داخل في نهيه والتحذير عنه، وأنه يجب تحصيل كل ما يعود إلى الصلاح والإصلاح، بحسب استطاعة العبد، كما قال شعيب ـ عليه السـلام ـ
    { إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْـلاحَ مَا اسْتَطَعْـتُ }
    [هود: 88] .


    ومن ذلك قوله تعالى
    { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }
    [الأحزاب: 47]

    { حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ }
    [لأنفال:65]

    يقتضي الأمر بكل ما لا تتم البشارة إلا به، والأمر بكل ما فيه حث وتحريض على القتال وما يتوقف على ذلك، ويتبعه من الاستعداد والتمرن على أسباب الشجاعة والسعي والقوة المعنوية من التآلف واجتماع الكلمة ونحو ذلك .


    ومن ذلك الأمر بتبليغ الأحكام الشرعية، والتذكير بها، وتعليمها، فإن كل أمر يحصل به التبليغ وإيصال الأحكام إلى المكلفين يدخل في ذلك، حتى إنه يدخل فيه إذا ثبتت الأحكام الشرعيـة، وَوُجدت أسبابها، وكانت تخفى عادة على أكثر الناس، كثبوت الصيام والفطر والحج وغيره بالأهلة إبلاغها بالأصوات والرمي، وإبلاغها بما هو أبلغ من ذلك، كالبرقيات ونحوها .


    وكذلك يدخل فيه كل ما أعان على إيصال الصوت إلى السامعين، من الآلات الحادثة، فحدوثها لا يقتضي منعها، فكل أمر ينفع الناس فإن القرآن لا يمنعه، بل يدل عليه لمن أحسن الاستدلال والانتفاع به .


    وهذا من آيات القرآن وأكبر براهينه، أنه لا يمكن أن يحدث علم صحيح ينقض شيئاً منه، فإنه يرد بما تشهد به العقول جملة وتفصيلاً، أو يرد بما لا تهتدي إليه العقول .


    وأما وروده بما تحيله العقول الصحيحة وتمنعه فهذا محال، والحس والتجربة شاهدان بذلك، فإنه مهما توسعت الاختراعات وعظمت الصناعات، وتبحرت المعارف الطبيعية، وظهر للناس فى هذه الأوقات ما كانوا يجهلونه قبل ذلك، فإن القرآن ـ ولله الحمد ـ لا يخبر بإحالته، بل نجد بعض الآيات فيها إجمال أو إرشادات تدل عليه .


    وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في غير هذا الموضع

    . والله أعلم وأحكم وبالله التوفيق .


    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:07 pm

    القاعدة الثانية عشرة
    الآيات القرآنية التي يفهم منها قصَّار النظر التعارض:
    يجب حمل كل نوع منها على ما يليق ويناسب المقام كل بحسبه




    وهذا في مواضع متعددة من القرآن:

    منها: الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون، ولا يتكلمون يوم القيامة، وفي بعضها: أنهم ينطقون ويحاجُّون ويعتذرون ويعترفون: فمحمل كلامهم ونطقهم: أنهم في أول الأمر يتكلمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من الكفر، ويقسمون على ذلك، ثم إذا ختم على ألسنتهم وأفواههم، وشهدت عليهم جوارحُهم بما كانوا يكسبون، ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم أُخْرِسوا فلم ينطقوا .


    وكذلك الإخبار بأن الله تعالى لا يكلمهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، مع أنه أثبت الكلام لهم معه، فالنفي واقع على الكلام الذي يسرهم، ويجعل لهم نوع اعتبار .


    وكذلك النظر والإثبات واقع على الكلام الواقع بين الله وبينهم على وجه التوبيخ لهم والتقريع، فالنفي يدل على أن الله ساخط عليهم، غير راض عنهم، والإثبات يوضح أحوالهم، ويبين للعباد كمال عدل الله فيهم، إذ هو يضع العقوبة موضعها .


    ونظير ذلك أن في بعض الآيات أخبر أنه
    { لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَاْنٌ }
    [ الرحمن: 39 ]

    وفي بعضها: أنه يسألهم
    { مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ }
    [الشعراء: 92]

    و{ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ }
    [القصص: 65]

    ويسألهم عن أعمالهم كلها .



    فالسؤال المنفي:
    هو سؤال الاستعلام والاستفهام عن الأمور المجهولة، فإنه لا حاجة إلى سؤالهم، مع كمال علم الله، واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم وجليل أمورهم ودقيقها .


    والسؤال المُثْبَت:
    واقع على تقريرهم بأعمالهم وتوبيخهم وإظهارِ أن الله حكم فيها بعدله وحكمته .


    ومن ذلك: الإخبار في بعض الآيات أنه لا أنساب بين الناس يوم القيامة، وفي بعضها: أثبت لهم ذلك، فالمثبت هو الأمر الواقع والنسب الحاصل بين الناس؛ كقوله:
    { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ }
    [عبس:34، 35]إلى آخرها


    والمنفي:
    هو الانتفاع بها، فإن الكفار يدعون أن أنسابهم تنفعهم يوم القيامة فأخبر تعالى أنه
    { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }
    [ الشعراء: 88-89 ] .


    ونظير ذلك:
    الإخبار في بعض الآيات: أن النسب نافع يوم القيامة، كما في إلحاق ذرية المؤمنين بآبائهم في الدرجات، وإن لم يبلغوا منزلتهم، وأن الله يجمع لأهل الجنات والدرجات العالية من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، فهذا لما اشتركوا في الإيمان وأصل الصلاح زادهم من فضله وكرمه، من غير أن ينقص من أجور السابقين لهم شيئاً .


    ومن ذلك: الشفاعة فإنه أثبتها فى عدة مواضع، ونفاها في مواضع من القرآن، وقيدها في بعض المواضع بإذنه ولمن ارتضى من خلقه، فتعين حمل المطلق على المقيد، وأنها حيث نفيت فهي الشفاعة بغير إذنه، ولغير من رضي الله قوله وعمله، وحيث أثبتت فهي الشفاعة التي بإذنه لمن رضيه الله وأذن فيه .


    ومن ذلك: أن الله أخبر فى آيات كثيرة أنه لا يهدي القوم الكافرين والفاسقين والظالمين ونحوها، وفي بعضها: أنه يهديهم ويوفقهم، فتعين حمل المنفيات على من حقت عليه كلمة الله، لقوله تعالى:
    { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ }
    [يونس: 96، 97]

    وحمل المثبتات على من لم تحق عليهم الكلمة .


    وإنما حقت كلمة الله بالعذاب والطرد على من ارتكسوا في حمأة التقليد وغرقوا في بحر الغفلة وأبوا أن يستجيبوا لداعي آيات الله الكونية والعلمية
    { فَلَمَّا زَاغُـوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف: 5] { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً }
    [محمد: 17] .

    وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه .


    ومن ذلك: الإخبار في بعض الآيات: أنه العلي الأعلى، وأنه فوق عباده وعلى عرشه، وفي بعضها: أنه مع العباد أينما كانوا، وأنه مع الصابرين والصادقين والمحسنين ونحوهم، فعُلوُّه تعالى أمر ثابت له، وهو من لوازم ذاته .
    ودنوه ومعيته لعباده لأنه أقرب إلى كل أحد من حبل الوريد، فهو على عرشه عَليٌّ على خلقه، ومع ذلك فهو معهم في كل أحوالهم، ولا منافاة بين الأمرين؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء فى جميع نعوته، وما يتوهم بخلاف ذلك فإنه في حق المخلوقين .


    وأما تخصيص المعية بالمحسنين ونحوها، فهي معية أخص من المعية العامة، تتضمن محبتهم وتوفيقهم، وكلاءتهم، وإعانتهم في كل أحوالهم، فحيث وقعت في سياق المدح والثناء فهي من هذا النوع، وحيث وقعت في سياق التحذير والترغيب والترهيب فهي من النوع الأول .


    ومن ذلك: النهي في كثير من الآيات عن موالاة الكافرين وعن مُوادَّتهم والاتصال بهم، وفي بعضها الأمر بالإحسان إلى من له حق على الإنسان منهم، ومصاحبته بالمعروف، كالوالدين والجار ونحوهم .


    فهذه الآيات العامات من الطرفين، قد وضحها الله غاية التوضيح في قوله
    { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }
    [الممتحنة: 8، 9]


    فالنهي واقع على التولي والمحبة لأجل الدين، والأمر بالإحسان والبر واقع على الإحسان لأجل القرابة أو لأجل الجيرة أو الإنسانية على وجه لا يُخل بدين الإنسان .


    ومن ذلك: أنه أخبر في بعض الآيات أن الله خلق الأرض ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وفي بعضها أنه لما أخبر عن خلق السماوات أخبر أن الأرض بعد ذلك دحاها .


    فهذه الآية تفسر المراد، وأن خلق الأرض متقدم على خلق السماوات، ثم لما خلق الله السماوات بعد ذلك دحا الأرض، فأودع فيها مصالحها المحتاج إليها سكانها .


    ومن ذلك: أنه تارة يخبر أنه بكل شيء عليم، وتارة يخبر بتعلق علمه ببعض أعمال العباد وببعض أحوالهم، وهذا الأخير فيه زيادة معنى، وهو يدل على المجازاة على ذلك العمل، سواء كان خيراً أو شراً، فيتضمن مع إحاطة علمه الترغيب والترهيب .


    ومن ذلك: الأمر بالجهاد في آيات كثيرة، وفي بعض الآيات الأمر بكف الأيدي، والإخلاد إلى السكون، فهذه حين كان المسلمون ليس لهم قوة، ولا قدرة على الجهاد باليد، والآيات الأخرى حين قووا وصار ذلك عين المصلحة ؛ والطريق إلى قمع الأعداء .


    ومن ذلك: أنه تارة يضيف الأشياء إلى أسبابها التي وقعت وتقع بها، وتارة يضيفها إلى عموم قدره، وأن جميع الأشياء واقعة بإرادته ومشيئته، فيفيد مجموع الأمرين إثبات التو حيد، وتفرد الباري بإيقاع الأشياء بقدرته ومشيئته، وإثبات الأسباب والمسببَّات، والأمرَ بالمحبوب منها، والنهي عن المكروه، وإباحةَ مستوى الطرفين فيستفيد المؤمن الجد والاجتهاد في الأخذ بالأسباب النافعة وتدقيق النظر وملاحظة فضل الله في كل أحواله، وأن لا يتكل على نفسه في أمر من الأمور بل يتكل على الله ويستعين بربه .


    وقد يخبر أن ما أصاب العبد من حسنة فمن الله، وما أصاب من سيئة فمن نفسه، ليعرف عباده أن الخير والحسنات والمحاب تقع بمحض فضله وجوده، وإن جرت ببعض الأسباب الواقعة من العباد، فإنه هو الذي أنعم بالأسباب وهو الذي يسرها، وأن السيئات وهي المصائب التي تصيب العبد فإنما أسبابها من نفس العبد، وبتقصيره في حقوق ربه، وتعديه لحدوده، فالله وإن كان هو المقدر لها . فإنه قد أجراها على العبد بما كسبت يداه، ولهذا أمثلة يطول عدها .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:07 pm

    القاعدة الثالثة عشرة

    طريقة القرآن في الحجاج والمجادلة مع أهل الأديان الباطلة



    قد أمر الله بالمجادلة بالتي هي أحسن، ومن تأمل الطرق التي نصب الله المحاجَّة بها مع المبطلين على أيدي رسله رآها من أوضح الحجج وأقواها، وأقومها وأدلها على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، على وجه لا تشويش فيه ولا إزعاج .


    فتأمل محاجة الرسل مع أممهم، وكيف دعَوْهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من جهة أنه المتفرد بالربوبية، والمتوحد بالنعم، وهو الذي أعطاهم العافية، والأسماع والأبصار، والعقول والأرزاق، وسائر أصناف النعم، كما أنه المنفرد بدفع النقم، وأن أحداً من الخلق ليس يقدر على رفع ولا دفع، ولا ضر ولا نفع، فإنه بمجرد معرفة العبد ذلك واعترافه به لابد أن ينقاد للدين الحق، الذي به تتم النعمة، وهو الطريق الوحيد لشكرها .


    وكثيراً ما يحتج على المشركين في شركهم وعبادتهم لآلهتهم من دون ربهم بإلزامهم باعترافهم بربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء، والرازق لكل شيء، فيتعين أن يكون هو المعبود وحده .


    فانظر إلى هذا البرهان، وكيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة إلى وجوب عبادة من هذا شأنه، ذلك أن آثار ربوبيته تنادي بوجوب الإخلاص له .


    ويجادل المبطلين أيضاً بذكر عيب آلهتهم، وأنها ناقصة من كل وجه، لا تغنى عن نفسها فضلاً عن عابديها شيئاً .


    ويقيم الأدلة على أهل الكتاب بأن لهم من سوابق المخالفات لرسلهم ما لا يستغرب معه مخالفتهم لرسوله الخاتم محمدـ صلى الله عليه وسلمـ الذي جاء مصدقاً لما سبقه من الرسالات التي مقصدها جميعاً واحد، وهو فك أغلال التقليد عن قلوب بني آدم لينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بالتفكر في آيات ربهم، فيعرفوا بذلك أنه الإله الحق، وأن كل ما اتخذه الناس بوحي شياطين الإنس والجن من آلهة، فلا يخرج شيء منها عن أن يكون أثراً من آثار هذه الآيات، وأنها لذلك لا تليق بأي وجه لمشاركة ربها وخالقها فى الإلهية، ولا ينبغي أن تعطى إلا حقها في المخلوقية والعبودية .


    وأن الخالق الذي ليس كمثله شيء هو المستحق لكل أنواع العبادة، وأن لا يعبد إلا بما أحب وشرع .
    وينقض على رؤساء المشركين ودعاة الباطل دعاويهم الباطلة وتزكيتهم لأنفسهم بالزور، ببيان ما يضاد ذلك من أحوالهم وأوصافهم، ويجادلهم بتوضيح الحق وبيان براهينه، وأن صدقه وحقيقتَه تدفع بمجردها جميع الشبه المعارضة له .
    {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}
    [ يونس: 32]


    وهذا الأصل في القرآن كثير، فإنه يفيد فى الدعوة للحق، ورد كل باطل ينافيه .
    ويجادلهم بوجوب تنزيل الأمور منازلها، وأنه لا يليق أن يجعل للمخلوق العبد الفقير العاجز من كل وجه شيئاً من حقوق الرب الخالق الغني الكامل من جميع الوجوه .


    ويتحداهم أن يأتوا بكتاب أو شريعة أهدى وأحسن من هذا الكتاب ومن هذه الشريعة، وأن يعارضوا القرآن فيأتوا بمثله إن كانوا صادقين .


    ويأمر نبيه بمباهلة من ظهرت مكابرته وعناده فينكصون عنها، لعلمهم أنه رسول الله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى وأنهم لو باهلوه لهلكوا .


    وفي الجملة لا تجد طريقاً نافعاً فيه إحقاق الحق وإبطال الباطل إلا وقد رسمه القرآن على أكمل الوجوه
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:08 pm

    القاعدة الرابعة عشرة

    حذف المتعلق المعمول فيه: يفيد تعميم المعنى المناسب له




    وهذه قاعدة مفيدة جداً، متى اعتبرها الإنسان في الآيات القرآنية أكسبته فوائد جليلة .

    وذلك أن الفعل وما هو معناه متى قيد بشيء تقيد به، فإذا أطلقه الله تعالى، وحذف المتعلق كان القصد من ذلك التعميم، ويكون الحذف هنا أحسن وأفيد كثيراً من التصريح بالمتعلقات، وأجمع للمعاني النافعة .


    ولذلك أمثلـة كثيـرة جـداً:

    منها: أنه قال في عدة آيات
    { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }، { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
    [الأنعام: 151،152،153]

    فيدل ذلك على أن المراد: لعلكم تعقلون عن الله كل ما أرشدكم إليه وكل ما علمكموه، وكل ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، ولعلكم تذكرون، فلا تنسون ولا تغفلون، فتكونون دائماً متيقظين مُرْهفي الحواس تحسون كل ما تمرون به من سنن الله وآياته، فتذكرون جميع مصالحكم الدينية والدنيوية، ولعلكم تتقون جميع ما يجب اتقاؤه من الغفلة والجهل والتقليد، وكل ما يحاول عدوكم أن يوقعكم فيه من جميع الذنوب والمعاصي، ويدخل في ذلك ما كان سياق الكلام فيه وهو فرد من أفراد هذا المعنى العام .


    ولهذا كان قوله تعالى:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
    [البقرة:183]

    يفيد كل ما قيل في حكمة الصيام، أي لعلكم تتقون المحارم عموماً، ولعلكم تتقون ما حرم الله على الصائمين من المفطرات والممنوعات، ومن كل الأحوال والصفات السيئة والخبيثة، ولعلكم تتصفون بصفة التقوى، وتحصلون على كل ما يقيكم مما تكرهون، وتتخلقون بأخلاقها، وهكذا سائر ما ذكر فيه هذا اللفظ مثل قوله
    { هُدىً لِلْمُتَّقِينَ }
    [البقرة: 2]

    أي المتقين لكل ما يُتقى من الكفر و الفسوق و العصيان، المؤدين للفرائض والنوافل التي هي خصال التقوى .


    وكذلك قوله
    { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}
    [الأعراف:201]

    أي إن الذين كانت التقوى وصفهم، واليقظة والتدبر لسنن الله وآياته حالهم، وترك المحارم شعارهم متى زين لهم الشيطان بعض الذنوب ولبس عليهم الطريق، وحاول تخديرهم بالشبهات أو الشهوات، تذكروا كل أمر يوجب لهم المبادرة إلى المتاب إجلالاً لعظمة الله، وما يقتضيه الإيمان وما توجبه التقوى، وتذكروا عقابه ونكاله، وتذكروا ما تحدثه الذنوب من العيوب والنقائص وما تسلبه من الكمالات، فإذا هم مبصرون من أين أُتوا، ومبصرون الوجه الذي فيه التخلص من هذا الذنب الذي وقعوا فيه، فبادروا بالتوبة النصوح والرجوع إلى صراط الله المستقيم، فعادوا إلى مرتبتهم وعاد الشيطان خاسئاً مدحوراً .


    وكذلك ما ذكره على وجه الإطلاق عن المؤمنين بلفظ " المؤمنين " وبلفظ
    { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا }
    [البقرة: 62]

    ونحوها، فإنه يدخل فيه جميع ما يجب الإيمان به من الأصول والعقائد والأعمال والأحكام، مع أنه قيد ذلك في بعض الآيات مثل قوله:
    { قُولُوا آمَنَّا بِالله }
    الآية [ البقرة136]


    وكذلك ما أمر به من الصلاح والإصلاح، وما نهى عنه من الفساد والإفساد مطلقاً، يدخل فيه كل صلاح كما يدخل في النهي كل فساد كذلك .

    وكذلك قوله
    { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 195] {وَأَحْسِنُوا} [البقرة: 195]، { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى }
    [يونس: 26]

    { هَلْ جَزَاءُ الْإحْسَانِ إِلَّا الْإحْسَانُ}
    [الرحمن:60]


    يدخل في ذلك كله الإحسان في عبادة الخالق بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان إلى المخلوقين بجميع وجوه الإحسان من قول وفعل وجاه، وعلم ومال وغيرها .


    وكذلك قوله تعالى:
    { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}
    [التكاثر:1]

    فحذف المتكاثَر به ليعم جميع ما يقصد الناس فيه المكاثرة: من الرياسات والأموال والجاه والضيعات والأولاد، وغيرها مما تتعلق به أغراض النفوس فيلهيها ذلك عن طاعة الله .


    وكذلك قوله تعالى
    { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ }
    [العصر:1،2]
    أي في خسارة لازمة من جميع الوجوه إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .


    وقوله
    { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }
    [النحل: 43]

    فذكر المسئولين وأطلق المسئول عنه، ليعم كل ما يحتاجه العبد ولا يعلمه .


    وكذلك أمره تعالى بالصبر، ومحبته للصابرين، وثناؤه عليهم، وبيان كثرة أجورهم، من غير أن يقيد ذلك بنوع، ليشمل أنواع الصبر الثلاثة، وهي الصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة .


    ومقابل ذلك ذمه للكافرين والظالمين والفاسقين والمشركين والمنافقين والمعتدين ونحوهم، من غير أن يقيده بشئ ليشمل جميع ذلك المعنى .


    ومن هذا قوله
    { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ }
    [البقرة: 196]

    ليشمل كل حصر، ومنه قوله
    { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}
    [البقرة: 239]

    ليعم كل خوف .


    وقد يقيد ذلك ببعض الأمور فيتقيد به ما سيق الكلام لأجله .


    وهذا شيء كثير لو ذهبنا نذكر أمثلة عليه لطالت، ولكن قد فتح لك الباب، فامش على هذا السبيل المفضي إلى رياض بهيجة من أصناف العلوم[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] .




    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]قال لشيخ ابن عثيمين: " يلتحق بهذه القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يدل على علية ذلك الوصف فيه، فمثلا إذا قلت: " إن المتقين في جنات و عيون " [الحجر: 45] أي من أجل تقواهم فالحكم المعلق بوصف يدل على علية ذلك الوصف لهذا الحكم و يدل أيضا على أنه يعم بعموم هذا الوصف و أنه يقوى كلما قوي ذاك الوصف و يضعف كلما ضعف "
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:09 pm

    القاعدة الخامسة عشرة

    جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشرات لتطمين القلوب وزيادة الإيمان


    وهذا في عدة مواضع من كتابه، فمن ذلك:

    النصر قال في إنزال الملائكة به:
    { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ }
    [الأنفال: 10]

    وقال في أسباب الرزق ونزول المطر:
    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ }
    [الروم: 46] .

    وأعم من ذلك كله قوله:
    { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }
    [يونس من 62: 64]

    وهي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله قد أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته، فيدخل فيه الثناء الحسن والرؤيا الصالحة، ويدخل فيه ما يشاهدونه من اللطف والتوفيق، والتيسير لليسرى، وتجنيبهم العسرى؛ لأن الله يقول:
    { فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى {5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى {6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } .
    [ الليل: 5-7 ]

    و يقول: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} . [ الطلاق: 4 ]


    فإذا رأيت الأمور متيسرة لك ومسهلة، وأن الله يقدر لك الخير حتى وإن كنت لا تحتسبه، فهذه لا شك أنها بشرى، وإذا رأيت الأمر بالعكس فصحح مسارك فإن فيك بلاءً، والنعم ما تكون استدراكا إلا لمن أقام على معصية الله، كما قال تعالى:
    { وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ }
    . . . .[ الأعراف: 182 ]

    أما إذا كانت من المؤمن فليست استدراجا .

    ومن ذلك: بل من ألطف من ذلك أنه يجعل الشدائد مبشرة بالفرج، والعسر مؤذناً باليسر، وإذا تأملت ما قصه عن أنبيائه وأصفيائه، وكيف لما اشتدت بهم الحال، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت،
    { وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ} .
    [ البقرة: 214 ]

    { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }
    [البقرة: 214]

    رأيت من ذلك العجب العجاب .


    وقـال تعالى:
    { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً }
    . ]الشـرح:5، 6]

    وقـال ـ صلى الله عليه وسلم ـ
    (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً )


    وأمثلة ذلك كثيرة، والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:09 pm

    القاعدة السادسة عشرة
    حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر وشدته في مقامات الوعيد



    وذلك كقوله:
    { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ }
    [السجدة: 12]

    { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ }
    [سـبأ: 51]

    { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً }
    [البقرة: 165]

    { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ } [الأنعام: 30] { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ }
    [الأنعام: 27] .


    فحذْف الجواب في هذه الآيات وشبهها أولى من ذِكْره، ليدل على عظمة ذلك المقام، وأنه لهوله وشدته وفظاعته لا يعبَّر عنه بلفظ ولا يُدرك بالوصف


    مثله قوله تعالى:
    { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ }
    [التكاثر:5]

    أي لما أقمتم على ما أنتم عليه من التفريط والغفلة واللهو
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:10 pm

    القاعدة السابعة عشرة
    بعض الأسماء الواردة في القرآن إذا أفرد دل على المعنى المناسب له، وإذا قرن مع غيره
    دل على بعض المعنى، ودل ما قرن معه على باقيه




    ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة

    منها: الإيمان، أُفرد وحده في آيات كثيرة، وقُرن مع العمل الصالح في آيات كثيرة .
    فالآيات التي أُفرد فيها يدخل فيه جميع عقائد الدين وشرائعه الظاهرة والباطنة، ولهذا يرتب الله عليه حصول الثواب، والنجاة من العقاب، ولولا دخول المذكورات ما حصلت آثاره .
    وهو عند السلف: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح .


    والآيات التي قرن الإيمان فيها بالعمل الصالح: كقوله
    { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ }
    [البقرة: 277]


    يُفسَّر الإيمان فيها بما في القلوب من المعارف والتصديق، والاعتقاد والإنابة . والعمل الصالح بجميع الشرائع القولية والفعلية .

    وكذلك لفظ " البر والتقوى " فحيث أفرد البر دخل فيه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وكذلك إذا أفردت التقوى .
    ولهذا يرتب الله على البر وعلى التقوى عند الإطلاق: الثواب المطلق والنجاة المطلقة كما يرتبه على الإيمان .


    وتارة يُفسِّر أعمال البر بما يتناول أفعال الخير وترك المعاصي، وكذلك في بعض الآيات تفسير خصال التقوى، كما في قوله:
    { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ }
    [آل عمران: 133، 134]
    إلى آخر ما ذكره من الأوصاف التي تتم بها التقوى .


    وإذا جمع بين البر والتقوى مثل قوله تعالى:
    { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى }
    [المائدة: 2]


    كانn]البر ] اسماً جامعاً لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
    وكانت n]التقوى ] اسماً جامعاً يتناول ترك جميع المحرمات .
    وكذلك لفظ n]الإثم ] و n]العدوان ] إذا قرنا،
    فسر الإثم بالمعاصي التي بين العبد وبين ربه، والعدوان بالتجرىء على الناس في دمائهم وأعراضهم .
    وإذا أفرد n]الإثم ] دخل فيه كل المعاصي التي تُؤثِّم صاحبها، سواء كانت بينه وبين ربه أو بينه وبين الخلق، وكذلك إذا أفـرد n]العدوان ] .
    وكذلك لفظ n]العبادة والتوكل ] ولفظ n]العبادة والاستعانة ] إذا أفردت
    العبادة في القرآن تناولت جميع ما يحبه الله ويرضاه ظاهراً وباطناً، ومن أول وأهم ما يدخل فيها: التوكل والاستعانة .


    وإذا جُمع بينها وبين التوكل والاستعانة نحو
    { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
    [الفاتحة:5]

    { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ }
    [هود: 123]

    فسرت العبادة بجميع المأمورات الباطنة والظاهرة، وفسر التوكل باعتماد القلب على الله في حصولها وحصول جميع المنافع ودفع المضار ـ مع الثقة التامة بالله في حصولها ـ .


    وكذلك n]الفقير والمسكين ] إذا أُفرد أحدهما دخل فيه الآخر كما في أكثر الآيات، وإذا جمع بينهما كما في آية الصدقات وهي قوله:
    { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ }
    [التوبة: 60]


    فسٍّر الفقير بمن اشتدت حاجته وكان لا يجد شيئاً، أو من يجد شيئاً لا يقع منه موقعـاً،
    وفسـر n]المسكين ] بمن حاجته دون ذلك .


    ومثل ذلك الألفاظ الدالة على تلاوة الكتاب والتمسك به وهو اتباعه، ويشمل ذلك: القيامَ بالدين كله، فإذا قُرِنت معه الصلاة كما في قوله تعالى:
    {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ }
    [العنكبوت: 45]

    وقوله
    { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ }
    [الأعراف: 170]


    كان ذكر الصلاة تعظيماً لها وتأكيداً لشأنها، وحثاً عليها، وإلا فهي داخلة في الاسم العام وهو التلاوة والتمسك به وما أشبه ذلك من الأسماء .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:10 pm

    القاعدة الثامنة عشرة
    إطلاق الهداية والإضلال وتقييدها



    في كثير من الآيات يخبر الله بأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وفي بعضها يذكر مع ذلك الأسباب المتعلقة بالعبد، الموجبة للهداية أو الموجبة للإضلال، وكذلك حصول المغفرة وضدها، وبسط الرزق وتقديره، وذلك في آيات كثيرة، فحيث أخبر أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدره على من يشاء .


    يدل ذلك على كمال توحيده وانفراده بخلق الأشياء، وتدبير جميع الأمور، وأن خزائن الأشياء كلها بيده، يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، فيقتضي مع ذلك من العباد أن يعترفوا بذلك، وأن يعلقوا أملهم ورجاءهم به وحده في حصول كل ما يحبون منها، ودفع كل ما يكرهون، وأن لا يسألوا أحداً غيره، كما في الحديث القدسي:
    ( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم )
    إلى آخره .


    وفي بعض الآيات: يذكر فيها أسباب ذلك، ليعرف العباد الأسباب والطرق المفضية إليها، فيسلكوا النافع ويدعوا الضار، كقوله تعالى:
    { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }
    [الليل: الآيات من 5: 10]

    فبيَّن أن أسباب الهداية والتيسير إيمان العبد بحكمة ربه في سننه وخلقه وشرعه وأخذه بهذه السنن وانقياده لأمره الشرعي، وأن أسباب الضلال والتعسير ضد ذلك .


    وكذلك قوله تعالى في صفة القرآن:
    { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ }
    [المائدة: 16]

    { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ }
    [البقرة: 26]

    وقوله:
    { فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }
    [الأعراف: 30]

    فأخبر أن الله يهدي بالقرآن من كان قصده حسناً، ومن رغب في الخير، واتبع رضوان الله، وأنه يضل من فسق عن سنن الله الحكيمة، وتمرد على الله، وتولى أعداءه من شياطين الإنس والجن، ورضي بولايتهم عن ولاية رب العالمين .


    وكذلك قوله تعالى:
    { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }
    الصف: 5]

    وقوله:
    { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ }
    [الأنعام: 110] .


    وكذلك يذكر في بعض الآيات الأسبابَ التي تنال بها المغفرة والرحمة، والتي تحق بها كلمة العذاب، كقوله:
    { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }
    [طـه:82]

    { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ }
    [الأعراف: من الآيات 156، 157]

    وقوله:
    { إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }
    [الأعراف: 56]

    وقوله:
    { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }
    [آل عمران:133]


    ثم ذكر الأسبابَ التي تنال بها المغفرة والرحمة، وهي خصال التقوى المذكورة في هذه الآية وغيرها:
    { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ }
    [البقرة: 218]

    { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }
    [الأعراف:204]

    وأعم من ذلك كله قوله تعالى:
    { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }
    [آل عمران:132]

    فطريق الرحمة والمغفرة سلوك طاعة الله ورسوله عموماً، وهذه الأسباب المذكورة خصوصاً .


    وأخبر أن العذاب له أسباب متعددة، وكلها راجعة إلى شيئين:
    التكذيب لله ورسوله، والتولي عن طاعة الله ورسوله

    كقوله تعالى:
    { لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى }
    [الشمس من 18:15]

    وقوله: { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [طـه:48] .


    وكذلك يذكر أسباب الرزق، وأنها لزوم طاعة الله ورسوله، والسعي الجميل في مناكب الأرض مع لزوم التقوى كقوله تعالى:
    { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}
    [الطلاق: من الآيات 2،3]

    وانتظار الفرج والرزق كقوله تعالى:
    { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً }
    [الطلاق: 7]

    وكثرة الذكر والاستغفار:
    { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ }
    [هود: 3]

    { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً }
    [نوح:10، 11]

    فأخبر أن الاستغفار سبب يُستجلب به مغفرة الله ورزقه وخيره، وضد ذلك سبب للفقر والتيسير للعسرى .


    وأمثلة هذه القاعدة كثيرة وقد عرفت طريقها فالزمه .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:11 pm

    القاعدة التاسعة عشرة
    الأسماء الحسنى في ختم الآيات




    يختم الله الآيات بأسماء الله الحسنى ليدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم .

    وهذه القاعدة لطيفة نافعة، عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته ومرتبط بها .

    وهذا باب عظيم في معرفة الله ومعرفة أحكامه، وهو من أجل المعارف وأشرف العلوم .

    فتجد آية الرحمة مختومةً بصفات الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر .

    ولا بأس هنا أن نسوق بعض الآيات في هذا، ونشير إلى مناسبتها بحسب ما وصل إليه علمنا القاصر وعبارتنا الضعيفة، ولو طالت الأمثلة هنا لأنها من أهم المهمات، ولا تكاد تجدها في كتب التفسير إلا يسيراً منها .



    قال تعالى:
    { فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
    [البقرة: 29]

    فذكرُ إحاطة علمه بعد ذكر خلقه للأرض والسماوات يدل على إحاطة علمه بما فيها من العوالم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه

    كما قال في الآية الأخرى:
    { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }
    [الملك:14]

    فخلقه للمخلوقات وتسويتها على ما هي عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد: من أكبر الأدلة العقلية على علمه، فكيف يخلقها وهو لا يعلمها ؟

    ولما ذكر كلامَ الملائكة حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة، ومراجعتهم لربهم في ذلك، فلما خلق آدم وعلمه أسماء كل شيء مما جعله الله له وبين يديه، وعجزت الملائكة عن معرفتها وأنبأهم آدم بها:
    { قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }
    [البقرة:32]

    فاعترفوا لله بسعة العلم، وكمال الحكمة، وأنهم مخطئون في مراجعتهم ربهم في استخلافه آدم في الأرض التي خلقت له وهيئت لنزوله .


    وفي هذا:
    أن الملائكة على عظمتهم وسعة معارفهم بربهم اعترفوا بأن علومهم تضمحل بجانب علم ربهم، وأنه لا علم لهم إلا منه، فختم هذه الآيات بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على علم الله بآدم وما خلق له وما خلق عليه وتمام حكمته في خلقه، وما يترتب على ذلك من المصالح المتنوعة: من أحسن المناسبات .

    وأما قوله عن آدم:
    { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
    [البقرة:37]

    وختمه كثيراً من الآيات بهذين الاسمين n]التواب الرحيم ] بعد ذكر ما يدعو به العبد إلى التعرض
    من رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبته جليلة لكل أحد، وأنه لما كان هو التواب الرحيم، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفقهم للأخذ بالأسباب التي ترجعهم إلى الفطرة السليمة التي يعرفون بها نعمة ربهم فيقدرونها ويشكرونها ويستجيبون لما يدعوهم بها إليه سبحانه، فيرجعون في كل شئونهم وأمورهم إلى ربهم، فيفرح بهم ويزيدهم من فضله ويتوب عليهم ثم يغفر لهم ويرحمهم
    فتاب عليهم أولاً بتوفيقهم للتوبة وأسبابها، وتاب عليهم ثانياً حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم

    ولهذا قال في الآية الأخرى:
    { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا }
    [التوبة: 118]

    أي أقبل بقلوبهم عليه، فإنه لولا توفيقه وجذب قلوبهم إلى ذلك بنعمه الكونية والعلمية لم يكن لهم سبيل إلى ذلك حين استولت عليهم النفس الأمارة، فإنها لا تأمر إلا بالسوء، إلا من رحم الله فأعاذه منها ومن نزغات الشيطان .


    ولما ذكر الله النسخ أخبر عن كماله قدرته وتفرده بالملك . فقال
    { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }
    [البقرة:من الآيتين 106،107 ]

    وفي هذا رد على من أنكر النسخ كاليهود، وأن نسخه لما ينسخه من آثار قدرته وتمام ملكه، فإنه تعالى يتصرف في عباده، ويحكم بينهم بأحكامه القدرية وأحكامه الشرعية، فلا حجر عليه في شيء من ذلك .

    ولما قال: { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } [البقرة: 115]

    قال: { إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 115]

    أي: واسع الفضل، واسع الملك، جميع العالم العلوي والسفلي بعض ملكه، ومع سعته في ملكه وفضله فهو محيط علمه بذلك كله، ومحيط علمه بالأمور الماضية والمستقبَلَة، ومحيط علمه بما في التوجه إلى القِبَل المتنوعة من الحكمة، ومحيط علمه بنيات المستقبلين لكل جهة من الجهات إذا أخطئوا القبلة المعينة، فحيث ولى المصلى منهم فما قصد إلا وجه ربه .


    وأما قول الخليل وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ وهما يرفعان القواعد من البيت
    { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
    [البقرة: 127]

    فإنه توسل إلى الله بهذين الاسمين إلى قبول هذا العمل الجليل، حيث كان الله يعلم نياتهما ومقاصدهما، ويسمع كلامهما، ويجيب دعاءهما فإنه يراد بالسميع في مقام الدعاء:
    دعاء العبادة ودعاء المسألة

    معنى المستجيب . كما قال الخليل في الآية الأخرى:
    { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ }
    [ابراهيم: 39] .


    وأما ختم قوله: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ } [البقرة: 129]

    بقوله { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [البقرة: 129]

    فمعناه:
    كما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزة الله وكمال حكمته، فإنه ليس من حكمة أحكم الحاكمين أن يترك الخلق سدى عبثا، لا يرسل إليهم رسولا، فحقق الله حكمته ببعثه، كما حقق حكمته لئلا يكون للناس على الله حجة، والأمور كلها: قدريها وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه .


    وقد يكتفي الله بذكر أسمائه الحسنى عن التصريح بذكر أحكامها وجزائها، لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذكر الاسم العظيم، عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام، مثل قوله تعالى:
    { فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ }
    [البقرة: 209]

    لم يقـل: فلكـم من العقوبـة كذا، بل قـال:
    { فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
    [البقرة: 209]

    أي: فإذا عرفتم عزته وهي قهره وغلبته وقوته وامتناعه، وعرفتم حكمته - وهي وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها محالها - أوجب لكم ذلك الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم، لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة:
    وهو المصر على الذنب مع علمه، وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه، لكمال قهره وعزته .


    وكذلك لما قال في سورة المائدة:
    { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ }
    [المائدة: 34]

    لم يقل: فاعفوا عنهم أو اتركوهم ونحوها، بل قال:
    { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
    [المائدة: 34]

    يعني: فإذا عرفتم ذلك وعلمتموه، عرفتم أن من تاب وأناب فإن الله يغفر له ويرحمه، فيدفع عنه العقوبة .


    ولما ذكر عقوبة السارق قال في آخرها:
    { نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
    [المائدة: 38]

    أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدي شرعاً وقدراً وجزاء .


    ولما ذكر مواريث الورثة وقدرها قال:
    { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }
    [النساء: 11]

    فكونه عليماً حكيماً يعلم ما لا يعلم العباد، ويضع الأشياء مواضعها، فاخضعوا لما قاله وفِعْله، وفصَّله في توزيع الأموال على مستحقيها الذين يستحقونها بحسب علم الله وحكمته، فلو وَكَلَ العبادَ إلى أنفسهم، وقيل لهم:
    وزعوها أنتم بحسب اجتهادكم لدخلها الجهل والهوى وعدم الحكمة، وصارت المواريث فوضى، وحصل بذلك من الضرر ما الله به عليم، ولكن تولاها وقسمها بأحكم قسمة وأوفقها للأحوال وأقواها للنفع .


    ولهذا من قدح في شيء من أحكامه، أو قال: لو كان كذا وكذا فهو قادح في علم الله وفي حكمته .

    ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، كما يذكرها في آيات الوعيد ليبين للعباد أن الشرع والجزاء مربوط بحكمته، غير خارج عن علمه .


    ويختم الأدعية بأسماء تناسب المطلوب . وهذا من الدعاء بالأسماء الحسنى:
    { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا }
    [الأعراف: 180]

    أي: تعبَّدوا لله بدعائه بها، واطلبوه بكل اسم مناسب لمطلوبكم .


    وقوله تعالى في سورة الحج:
    { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ }
    [الحج:59]

    والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة ختمت باسمين كريمين .


    فالأول منها: ختمها بالعلم والحلم:
    يقتضي علمه بنياتهم الجميلة، وأعمالهم الجليلة ومقاماتهم الشامخة، فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم عن سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها .


    وختم الثانية بالعفو الغفور
    فإنه أباح المعاقبة بالمثل، وندب إلى مقام الفضل، وهو العفو وعدم معاقبة المسيء، وأنه ينبغي لكم أن تتعبدوا لله بالاتصاف بهذين الوصفين الجليلين لتنالوا عفوه ومغفرته .


    وختم الآية الثالثة بالسميع البصير
    يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الحالات .


    وختم الآية الرابعة: بالعلي الكبير
    لأن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده تضمحل معه جميع المخلوقات، ويبطل معها كل ما عبد من دونه، وبإثبات كمال علوه وكبريائه، يتعين أنه هو الحق وما سواه هو الباطل .


    وختم الآية الخامسة: باللطيف الخبير
    الدالين على سعة علمه ودقيق خبرته بالبواطن . كالظواهر، وبما تحتوى عليه الأرض من أصناف البذور وألوان النباتات، وأنه لطف بعباده حيث أخرج لهم أصناف الأرزاق، بما أنزله من الماء النَّمير، والخير الغزير .


    وختم الآية السادسة: بالغني الحميد
    بعد ما ذكر ملكه للسماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها لحاجة منه لها، فإنه غني مطلق، ولا ليتكمَّل بها . فإنه الحميد الكامل، وليدلهم على أنهم كلهم فقراء إليه من جميع الوجوه، وأنه حميد في أقداره، حميد في شرعه، حميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتا وصفات وأفعالاً .


    وختم الآية السابعة: بالرؤوف الرحيم
    أي: من رأفته ورحمته تسخيره المخلوقات لبني آدم وحفظ السماوات والأرض وإبقاؤها لئلا تزول، فتختل مصالحهم . ومن رحمته سخر لهم البحار لتجري فيها الفلك في منافعهم ومصالحهم، فرحمهم حيث خلق لهم المسكن، وأودع لهم فيه كل ما يحتاجونه، وحفظه عليهم وأبقاه .


    ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء مع أممهم، ختم كل قصة بقوله:
    { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
    [آل عمران: 68]

    فإن كل قصة تضمنت نجاة النبي وأتباعه، وذلك برحمة الله ولطفه، وتضمنت إهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته .

    وقد يتعلق مقتضى الاسمين بكل من الحالتين، فإنه نجى الرسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته وحكمته .
    ويكون ذكر الرحمة دالاً على عِظم جرمهم، وأنه طالما فتح لهم أبواب رحمته بآياته ونعمه ورسله فأغلقوها دونهم بتمردهم على الله وكفرهم وشركهم فلم يكن لهم طريق إليها، ولولا ذلك لما حل بهم هذا العقاب الصارم .


    وأما قول عيسى ـ عليه السلام ـ
    { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
    [المائدة:118]

    ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، إنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة .


    ومن ألطف مقامات الرجاء:
    أن يذكر أسباب الرحمة وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة؛ مثل قوله:
    { يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
    [آل عمران: 129]

    وقوله:
    { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً }
    [الأحزاب:73]

    فذلك يدل على أن رحمته سبقت غضبه وغلبته وصار لها الظهور، وإليها ينتهي كل من فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة، ولهذا يخرج من النار من كان في قلبه أدنى حبة خردل من الإيمان ولنقتصر على هذه الأمثلة فإنه يعرف بها صفة الاستدلال بذلك
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:12 pm

    القاعدة العشرون
    القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث




    وقد وصفه الله تعالى بكل واحدة من هذه الأوصاف الثلاث .


    فوصفه بأنه محكم في عدة آيات، وأنه:

    { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }
    [ هود: 1]

    ومعنى ذلك أنه في غاية الإحكام ونهاية الانتظام، فأخباره كلها حق وصدق، لا تناقض فيها ولااختلاف، وأوامره كلها خير وبركة وصلاح، ونواهيه متعلقة بالشرور والأضرار والأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة فهذا إحكامه .


    ووصفه بأنه متشابه في قوله من سورة الزمر:
    { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً }
    [الزمر: 23]

    أي: متشابها في الحسن والصدق والحق، ووروده بالمعاني النافعة المزكية للعقول، المطهرة للقلوب، المُصلحة للأحوال، فألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني .


    ووصفه بأن
    { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }
    [آل عمران: 7]

    فهنا وصفه بأن بعضه هكذا وبعضه هكذا وأن أهل العلم بالكتاب يردون المتشابه منه إلى المحكم، فيصير كله محكماً ويقولون:
    { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا }
    [آل عمران: 7]

    أي: وما كان من عنده فلا تناقض فيه، فما اشتبه منه في موضع، فسره الموضع الآخر المحكم، فحصل العلم وزال الإشكال .


    ولهذا النوع أمثلة؛ منها:

    ما تقدم من الإخبار بأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء .

    فإذا اشتبهت على من ظن به خلاف الحكمة، وأن هدايته وإضلاله يكون جزافاً لغير سبب وضحت هذا الإطلاق الآيات الأخر الدالة على أن هدايته لها أسباب، يفعلها العبد ويتصف بها مثل قوله في سورة المائدة:
    { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام }
    [المائدة: 16]

    وأن إضلاله لعبده له أسباب من العبد، وهو توليه للشيطان، قال في سورة الأعراف:
    { فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنهم اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّه }
    [الأعراف: 30]

    وفي سورة الصف:
    { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ }
    [الصف: 5] .


    وإذا اشتبهت آيات على الجبري الذي يرى أن أفعال العباد مجبورون عليها، بينتها الآيات الأخر الكثيرة الدالة على أن الله لم يجبر العباد، وأن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير منحصرة .


    كما أن هذه الآيات التي أضاف الله فيها الأعمال إلى العباد حسنها وسيئها، إذا اشتبهت على القدرية النفاة، فظنوا أنها منقطعة عن قضاء الله وقدره، وأن الله ما شاءها منهم ولا قدرها، تليت عليهم الآيات الكثيرة الصريحة بتناول قدرة الله لكل شيء من الأعيان والأعمال والأوصاف، وأن الله خالق كل شيء .


    ومن ذلك:

    أعمال العباد، وأن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين .


    وقيل للطائفتين:

    إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها، وأنها لا تتنافى، فهي واقعة منهم وبقدرتهم وإرادتهم، والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم .


    وما أُجْمِلَ في بعض الآيات فسرته آيات أخر، وما لم يتوضح في موضع توضح في موضع آخر، وما كان معروفاً بين الناس وورد فيه القرآن أمراً أو ناهياً، كالصلاة والزكاة والزنا والظلم، ولم يفصله فليس مجملاً، لأنه أرشدهم إلى ما كانوا يعرفون، وأحالهم على ما كانوا به متلبسين، فليس فيه إشكال بوجه


    والله أعلم .
    avatar
    سلووتة
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 1175

    نقاط : 2715
    تاريخ التسجيل : 03/03/2010

    رد: :: القواعد الحسان في تفسير القرآن ::

    مُساهمة من طرف Ø³Ù„ووتة في الخميس أبريل 29, 2010 2:14 pm

    القاعدة الحادية والعشرون
    القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعوائد




    وهذه قاعدة جليلة المقدار، عظيمة النفع، فإن الله أمر عباده بالمعروف، وهو ما عرف حسنه شرعاً وعقلاً وعرفاً، ونهاهم عن المنكر، وهو ماظهر قبحه شرعا وعقلا وعرفا .

    وأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصفهم بذلك .

    فما كان من المعروف لا يتغير في الأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة، والصوم والحج، وغيرها من الشرائع الراتبة، فإنه أمر به: كلٌ في وقت .

    والواجب على الآخِرِين نظير الواجب على الأولين من هذه الأمة .
    وما كان من المنكر لا يتغير كذلك بتغير الأوقات كالشرك والقتل بغير حق، والزنا وشرب الخمر ونحوها ثبتت أحكامه في كل زمان ومكان لا يتغير ولا يختلف حكمه .

    وما كان يختلف باختلاف الأمكنة والأزمة والأحوال، فهو المراد ههنا .

    فإن الله تعالى يردهم فيه إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت .

    وذلك أنه أمر بالإحسان إلى الوالدين بالأقوال والأفعال، ولم يعين لعباده نوعاً خاصاً من الإحسان والبر، ليعم كل ما تجدد من الأوصاف والأحوال، فقد يكون الإحسان إليهم في وقت غير الإحسان في الوقت الآخر، وفي حق شخص دون حق الشخص الآخر .

    فالواجب الذي أوجبه الله: النظر في الإحسان المعروف في وقتك ومكانك، في حق والديك .

    ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم، فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحساناً .

    وكذلك ضده من العقوق والإساءة، ينظر فيه إلى العرف وكذلك قوله تعالى في سورة النساء
    { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }
    [النساء: 19]

    وفي سورة البقرة
    { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }
    [البقرة: 228]

    فرد الله الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما على الآخر على المعروف المتعارف عند الناس في قطرك، وبلدك وحالك .

    وذلك يختلف اختلافاً عظيماً، لا يمكن إحصاؤه عداً .

    فدخل ذلك كله في هذه النصوص المختصرة، وهذا من آيات القرآن وبراهين صدقه .

    وقال تعالى في سورة الأعراف
    { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا }
    [الأعراف: 31]

    { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً }
    [الأعراف: 26]

    فقد أباح لعباده الأكل والشرب واللباس، ولم يعين شيئاً من الطعام والشراب واللباس، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأحوال، فيتعلق بها أمره حيث كانت، ولا ينظر إلى ما كان موجوداً منها وقت نزول القرآن فقط .

    وكذلك قوله في سورة الأنفال:
    { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ }
    [الأنفال: 60]

    ومن المعلوم: أن السلاح والقوة الموجودة وقت نزول القرآن غير نوع القوة التي وجدت بعد ذلك .
    فهذا النص يتناول كل ما يستطاع من القوة في كل وقت وبما يناسبه ويليق به .

    وكذلك لما قال تعالى في سورة النساء:
    { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }
    [النساء: 29]

    لم يعين لنا نوعاً من التجارة ولا جنساً، ولم يحدد لنا ألفاظاً يحصل بها الرضى، وهذا يدل على أن الله أباح كل ما عد تجارة ما لم ينه عنه الشارع، وأن ما حصل به الرضى من الأقوال والأفعال انعقدت به التجارة، فما حقق الرضى من قول أو فعل، انعقدت به المعاوضات والتبرعات .


    وفي القرآن من هذا النوع شيء كثير

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 22, 2017 1:46 pm